السيد عبد الأعلى السبزواري
76
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
رسوله من كلّ سوء وضرر ، ويكف أذى الأعداء عنه . والآية المباركة تطمئن الرسول صلّى اللّه عليه وآله بأنّه لن يصيبه أذاهم . قوله تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ . تحريض لهم بالتدبّر في القرآن الكريم والتأمّل في معانيه ، لاستيعاب ما ورد فيه من الإرشادات والتوجيهات والأحكام المستندة على المصالح والمفاسد والدستورات المتكفّلة لسعادة الدارين ، وأنّ العمل بها يوجب الفلاح ويثبت الإيمان في قلوبهم ، فتخلص من شوائب الكفر والنفاق . وإنّما أمروا بالتدبّر في القرآن لفساد زعمهم ؛ لأنّهم كانوا يظنون أنّ الرسول صلّى اللّه عليه وآله كان يشرّع لهم من نفسه ، وأنّ القرآن ، إنّما هو من عنده ، ومن صنعه صلّى اللّه عليه وآله ؛ ولذا أمرهم بالتدبّر في القران ، الّذي هو مفتاح اليقين والإخلاص ، والفائق في جميع تعبيراته وتنسيقاته على مستوى واحد غير متفاوت وفي غاية الكمال ، لا يمكن أن يكون من صنع البشر أو عمل مخلوق مهما بلغا من الشأن في عالم التفكّر والتنسيق اللفظي أو الأدبي أو المعنوي : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ سورة الإسراء ، الآية : 88 ] ؛ لأنّ الطبيعة مهما بلغت من الكمال فهي مختلفة في المستويات ومتفاوتة ، فتكون نتاجها كذلك ، كما أثبته علماء الفلسفة ، فيستحيل أن يكون القرآن من عند غير اللّه تعالى ، إلّا أنّه يحتاج إلى تدبّر وتفهّم ، فإنّهم لو تدبّروا القرآن وتأمّلوا معانيه ، لعلموا أنّه منه جلّت عظمته ، وأنّه يهدي إلى الحقّ ولا يمكن أن يكون من عند غير اللّه تعالى - لما عرفت - ولكنّهم لم يتدبّروه ، فعابهم عزّ وجلّ عليه ، والسبب في ذلك ما ذكره سبحانه وتعالى في آية أخرى ، قال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها [ سورة محمد ، الآية : 24 ] ، فهم قد أقفلوا قلوبهم عن فهم معاني القرآن ونصائحه وإرشاداته ، لتبطينهم النفاق والكفر ، ولإصرارهم على ارتكاب الآثام .